آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

التحريم: 8

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 66 التحريم
رقم الآية.: 8
معلوماتعدد الآيات: 12 ترتيب المصحف: 66 ترتيب النزول: 107 نزلت بعد سورة: الحجرات مكية أم مدنية: مدنية
رقم الصفحة.561
عدد الآيات في السورة:12

تفسير القرطبي


قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا ". فيه مسألتين: الأولى-: قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله" أمر بالتوبة، وهي فرض على الأعيان في كل الأحوال وكل زمان. وقد تقدم بيانها والقول فيها في النساء وغيرها. "توبة نصوحا" اختلفت عبارة العلماء وأرباب القلوب في التوبة النصوح على ثلاثة وعشرين قولا، فقيل: هي التي لا عودة بعدها كما لا يعود اللبن إلى الضرع، وروي عن عمر بن مسعود وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل رضي الله عنهم. ورفعه معاذ إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقال قتادة: النصوح الصادقة الناصحة. وقيل: الخالصة، يقال: نصح أي أخلص له القول. وقال الحسن: النصوح أي يبغض الذنب الذي أحبه ويستغفر منه إذا ذكره. وقيل: هي التي لا يثق بقبولها ويكون على وجل منها. وقيل: هي التي لا يحتاج معها إلى توبة. وقال الكلبي: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع عن الذنب، والاطمئنان على أنه لا يعود. وقال سعيد بن جبير: هي التوبة المقبولة، ولا تقبل ما لم يكن فيها ثلاثة شروط: خوف ألا تقبل، ورجاء أن تقبل، وإدمان الطاعات. وقالسعيد بن المسيب: توبة تنصحون بها أنفسكم.وقال القرظي: يجمعها أربعة أشياء: الاستغفار باللسان، والإقلاع بالأبدان، وإضمار ترك العود بالجنان، ومهاجرة سئ الخلان، وقال سفيان الثوري: علامة التوبة بالنصوح أربعة: القلة والعلة والذلة والغربة. وقال الفضيل بن عياض: هو أن يكون الذنب بين عينيه، فلا يزال كأنه ينظر إليه. ونحوه عن ابن السماك: أن تنصب الذنب الذي أقللت فيه ا لحياء من الله أمام عينيك وتستعد لمنتظرك. وقال أبو بكر الوراق: هو تضيق عليك الأرض بما رحبت، وتضيق عليك نفسك، كالثلاثة الذين خلفوا. وقال أبو بكر الواسطي: هي توبة لا لفقد عوض، لأن من أذنب في الدنيا لرفاهية نفسه ثم تاب طلباً لرفاهيتها في الآخرة، فتوبته على حفظ نفسه لا الله. وقال أبو بكر الدقاق المصري: التوبة النصوح هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان الطاعات. وقال رويم: هو أن تكون لله وجهاً بلا قفا، كما كنت له عند المعصية قفا بلا وجه. وقال ذو النون: علامة التوبة النصوح ثلاث: قلة الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام. وقال شقيق: هو أن يكثر صاحبها لنفسه الملامة، ولا ينفك من الندامة، لينجو من آفاتها بالسلامة. وقال سري السقطي: لا تصلح التوبة النصوح إلا بنصيحة النفس والمؤمنين، لأن من صحب توبته أحب أن يكون الناس مثله. وقال الجنيد: التوبة النصوح هو أن ينسى الذنب فلا يذكره أبداً، لأن من صحت توبته صار محباً لله، ومن أحب الله نسي مادون الله. وقال ذو الأذنين: هو أن يكون لصاحبها دمع مسفوح ،وقلب عن المعاصي جموح. وقال فتح الموصلي: علامتها ثلاث: مخالفة الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والضمأ. وقال سهل بن عبد الله التستري: هي التوبة لأهل السنة والجماعة، لأن المبتدع لا توبة له، بدليل: قوله صلى الله عليه وسلم: " حجب الله على كل صاحب بدعة أن يتوب ". وعن حذيفة: بحسب الرجل من الشر أن يتوب من الذنب ثم يعود فيه. وأصل التوبة النصوح من الخلوص، يقال: هذا عسل ناصح إذا أخلص من الشمع. وقيل: هي مأخوذة من النصاحة وهي الخياطة. وهي أخذها منها وجهان: أحدهما - لأنها توبة قد أحكمت طاعته وأوثقتها كما يحكم الخياط الثوب بخياطته ويوثقه. والثاني - لأنها قد جمعت بنيه وبين أولياء الله وألصته بهم، كما يجمع الخياط الثوب ويلصق بعضه ببعض. وقراءة العامة نصوحاً بفتح النون، على نعت التوبة، مثل امرأة صبور، أي توبة بالغة في النصح. وقرأ الحسن وخارجة وأبو بكر عن عاصم بالضم، وتأويله على هذه القرءة: توبة نصح لأنفسكم. وقيل: يجوز أن يكون نصوحاً، جمع نصح، وأن يكون مصدراً، يقال: نصح نصاحة ونصوحا. وقد يتفق فعالة وفعول في المصادر، نحو الذهاب والذهوب. وقال المبرد: أراد توبة ذات نصح، يقال: نصحت نصحاً ونصاحة ونصوحاً. الثانية-: في الأشياء التي يتاب منها وكيف التوبة منها. قال العلماء: الذنب الذي تكون منه التوبة لا يخلو، إما أن يكون حقاً لله أو اللآدميين. فإن كان حقاً الله كترك صلاة فإن التوبة لا تصح منه حتى ينضم إلى الندم قضاء ما فات منها. وهكذا إن كان ترك صوم أو تفريطاً في الزكاة. وإن كان ذلك قتل نفس بغير حق فأن يمكن من القصاص إن كان عليه وكان مطلوباً به. وإن كان قذفاً يوجب الحد فيبذل ظهره للجلد إن كان مطلوباً به. فإن عفي عنه كفاه الندم والعزم على ترك العود بالإخلاص. وكذلك إن عفي عنه في القتل بمال فعليه أن يؤديه إن كان واجداً له، قال الله تعالى: "فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" البقرة:178. وإن كان ذلك حداً من حدود الله - كائناً ما كان - فإنه إذا تاب إلى الله تعالى بالندم الصحيح سقط عنه. وقد نص الله تعالى على سقوط الحد عن المحاربين إذا تابوا قبل القدرة عليهم، حسب ما تقدم بيانه. وكذلك الشراب والسراق والزناة إذا أصلحوا وتابوا وعرف ذلك منهم، ثم رفعوا إلى الإمام فلا ينبغي له أن يحدهم. وإن رفعوا إليه فقالوا: تبنا، لم يتركوا، وهم في الحالة كالمحاربين إذا غلبوا. هذا مذهب الشافعي. فإن كان الذنب من مظالم العباد فلا تصح التوبة منه إلا برده إلى صاحبه والخروج عنه - عيناً كان أو غيره - إن كان قادراً عليه، فإن لم يكن قادراً فالعزم أن يؤديه إذا قدر في أعجل وقت وأسرعه. وإن كان أضر بواحد من المسلمين وذلك الواحد لا يشعر به أو لا يدري من أين أتى، فإنه يزيل ذلك الضرر عنه، ثم يسأله أن يعفو عنه ويستغفر له، فإذا عفا عنه فقط سقط الذنب عنه. وإن أرسل من يسأل ذلك له، فعفا ذلك المظلوم عن ظالمه - عرفه بعينه أو لم يعرفه - فذلك صحيح. وإن أساء رجل إلى رجل بأن فزعه بغير حق، أو غمه أو لطمه، أو صفعه بغير حق، أو ضربه بسوط فآلمه، ثم جاءه مستعفياً نادماً على ما كان منه، عازماً على أن لا يعود فلم يزل يتذلل له حتى طابت نفسه فعفا عنه، سقط عنه ذلك الذنب. وهكذا إن كان شانه بشتم لا حد فيه. قوله تعالى: " عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم " عسى من الله واجبة. وهو معنى قوله عليه السلام " التائب من الذنب كمن لا ذنب له ". وأن في موضع رفع اسم عسى. قوله تعالى: "ويدخلكم" معطوف على "يكفر". وقرأ ابن أبي عبلة "ويدخلكم" مجزوماً، عطفاً على محل عسى أن يكفر. كأنه قيل: توبوا يوجب تكفير سيئاتكم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار. "يوم لا يخزي الله النبي" العامل في يوم: يدخلكم أو فعل مضمر، ومعنى يجزي هنا يعذب، أي لا يعذبه ولا يعذب الذين آمنوا معه. "نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم" تقدم في سورة الحديد. "يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير" قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما: هذا دعاء المؤمنين حين أطفأ الله نور المنافقين، حسب ما تقدم بيانه في سورة الحديد

تفسير الجلالين


8 - (يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا) بفتح النون وضمها صادقة بأن لا يعاد إلى الذنب ولا يراد العود إليه (عسى ربكم) ترجية تقع (أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات) بساتين (تجري من تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله) بادخال النار (النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم) أمامهم ويكون (وبأيمانهم يقولون) مستأنف (ربنا أتمم لنا نورنا) إلى الجنة والمنافقون يطفأ نورهم (واغفر لنا) ربنا (إنك على كل شيء قدير)

أسباب النزول


لا يوجد أسباب النزول

تفسير ابن كثير


ثم قال تعالى "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا" أي توبة صادقة جازمة تمحو ما قبلها من السيئات وتلم شعث التائب وتجمعه وتكفه عما كان يتعاطاه من الدناءات. قال ابن جرير ثنا ابن مثنى ثنا محمد ثنا شعبة عن سماك بن حرب سمعت النعمان بن بشير يخطب سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول "يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا" قال يذنب الذنب ثم لا يرجع فيه وقال الثوري عن سماك عن النعمان عن عمر قال التوبة النصوح أن يتوب من الذنب ثم لا يعود فيه أو لا يريد أن يعود فيه وقال أبو الأحوص وغيره عن سماك عن النعمان سئل عمر عن التوبة النصوح فقال: أن يتوب الرجل من العمل السيء ثم لا يعود إليه أبدا. وقال الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبدالله "توبة نصوحا" قال يتوب ثم لا يعود. وقد روي هذا مرفوعا فقال الإمام أحمد ثنا علي بن عاصم عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عبدالله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "التوبة من الذنب أن يتوب منه ثم لا يعود فيه" تفرد به أحمد من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري وهو ضعيف والموقوف أصح والله أعلم. ولهذا قال العلماء: التوبة النصوح هو أن يقلع عن الذنب في الحاضر ويندم على ما سلف منه في الماضي ويعزم على أن لا يفعل في المستقبل ثم إن كان الحق لآدمي رده إليه بطريقه. قال الإمام أحمد ثنا سفيان عن عبدالكريم أخبرني زياد بن أبي مريم عن عبدالله بن مغفل قال دخلت مع أبي على عبدالله بن مسعود فقال أنت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول "الندم توبة؟" قال نعم وقال مرة نعم سمعته يقول "الندم توبة" ورواه ابن ماجه عن هشام بن عمار عن سفيان بن عيينة عن عبدالكريم وهو ابن مالك الجزري به وقال ابن أبي حاتم ثنا الحسن بن عرفة حدثني الوليد بن بكير أبو جناب عن عبدالله بن محمد العبدي عن أبي سنان البصري عن أبي قلابة عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب قال: قيل لنا أشياء تكون في آخر هذه الأمة عند اقتراب الساعة. منها نكاح الرجل امرأته أو أمته في دبرها وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ومنها نكاح الرجل الرجل وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله ومنها نكاح المرأة المرأة وذلك مما حرم الله ورسوله ويمقت الله عليه ورسوله وليس لهؤلاء صلاة ما أقاموا على هذا حتى يتوبوا إلى الله توبة نصوحا قال زر: فقلت لأبي بن كعب فما التوبة النصوح؟ فقال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال "هو الندم على الذنب حين يفرط منك فتستغفر الله بندامتك منه عند الحاضر ثم لا تعود إليه أبدا". وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا عمرو بن علي ثنا عباد بن عمرو ثنا أبو عمرو بن العلاء سمعت الحسن يقول: التوبة النصوح أن تبغض الذنب كما أحببته وتستغفر منه إذا ذكرته فأما إذا جزم بالتوبة وصمم عليها فإنها تجب ما قبلها من الخطيئات كما ثبت في الصحيح: "الإسلام يجب ما قبله والتوبة تجب ما قبلها". وهل من شرط التوبة النصوح الاستمرار على ذلك إلى الممات - كما تقدم في الحديث وفي الأثر- ثم لا يعود فيه أبدا. أو يكفي العزم على أن لا يعود فى تكفير الماضي بحيث لو وقع منه ذلك الذنب بعد ذلك لا يكون ذلك ضارا في تكفير ما تقدم لعموم قوله عليه السلام: "التوبة تجب ما قبلها"؟ وللأول أن يحتج بما ثبت في الصحيح أيضا "من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام اخذ بالأول والآخر" فإذا كان هذا في الإسلام الذي هو أقوى من التوبة فالتوبة بطريق الأولى والله أعلم. وقوله تعالى "عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار" وعسى من الله موجبة "يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه" أي ولا يخزيهم معه يعني يوم القيامة "نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم" كما تقدم في سورة الحديد "يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شيء قدير" قال مجاهد والضحاك والحسن البصري وغيرهم هذا يقوله المؤمنون حين يرون يوم القيامة نور المنافقين قد طفئ. وقال الإمام أحمد حدثنا إبراهيم بن إسحاق الطالقاني حدثنا ابن المبارك عن يحيى بن حسان عن رجل من بني كنانة قال: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الفتح فسمتعه يقول "اللهم لا تخزني يوم القيامة" وقال محمد بن نصر المروزي حدثنا محمد بن مقاتل المروزي حدثنا ابن المبارك أنا ابن لهيعة حدثني يزيد بن حبيب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير أنه سمع أبا ذر وأبا الدرداء قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أول من يؤذن له في السجود يوم القيامة وأول من يؤذن له برفع رأسه فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن يميني فأعرف أمتي من بين الأمم وأنظر عن شمالي فأعرف أمتي من بين الأمم" فقال رجل يا رسول الله وكيف تعرف أمتك من بين الأمم؟ قال "غر محجلون من آثار الطهور ولا يكون أحد من الأمم كذلك غيرهم وأعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم وأعرفهم بسيماهم فى وجوههم من أثر السجود وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم".