آيات القرآن الكريم - إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصَّلاَةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللّهِ إِنَّا إِذًا لَّمِنَ الآثِمِينَ

المائدة: 106

بداية السورة   «  »  آخر السورة  آية عشوائية  Bookmark

اسم السورة: 5 المائدة
رقم الآية.: 106
معلوماتعدد الآيات: 120 ترتيب المصحف: 5 ترتيب النزول: 112 نزلت بعد سورة: الفتح مكية أم مدنية: مدنية ( الآية 3 نزلت بعرفات في حجة الوداع ) .
رقم الصفحة.125
عدد الآيات في السورة:120

تفسير القرطبي


فيه سبع وعشرون مسألة : الأولى_قال مكي_رحمه الله_:هذه الآيات الثلاث عند أهل المعاني من أشكل ما في القران إعرابا ومعنى وحكما ، قال ابن عطية : هذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها ، وذلك بين من كتابه رحمه الله. قلت : ما ذكره مكي _ رحمه الله _ ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا ، ولا اعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : كان تميم الداري وعدي بن بداء يختلفان إلى مكة ، فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما ، فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاماً من فضة مخوصا بالذهب ، فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كتمتما ولا اطلعتما ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن هذا الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ، قال : فاخذوا الجام ، وفيهم نزلت هذه الآية .لفظ الدارقطني . وروى الترمذي عن تميم الداري في هذه الآية . "يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " برىء منها الناس غيري وغير عدي بن بداء - وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام ، فأتيا الشام بتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له : بديل بن مريم بتجارة ، ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عظم تجارته فمرض فأوصى إليهما وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله، قال تميم : فلما مات أخذنا الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناها أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليه ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله وأخبرتهم الخبر، وأديت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فأتوا به غلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه بما يقطع به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " إلى قوله " بعد إيمانهم " فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا فنزعت الخمسمائة من يدي عدي بن بداء قال أبو عيسى : هذا حديث غريب وليس إسناده بصحيح، وذكر الواقدي أن الآيات الثالث نزلت في تميم وأخيه عدي وكانا نصرانيين، وكان متجرهما إلى مكة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قدم ابن أبي مريم مولى عمرو بن العاص المدينة هو يريد الشام تأجراً ، فخرج مع تميم وأخيه عدي وذكر الحديث وذكر النقاش قال : نزلت في بديل بن أبي مريم مولى العاص بن وائل السهمي كان خرج مسافراً في البحر إلى أرض النجاشي، ومعه رجلان نصرانيان أحدهما يسمى تميماً وكان من لخم وعدي بن بداء، فمات بديل وهم في السفينة فرمى به في البحر وكان كتب وصيته ثم جعلها في المتاع فقال: أبلغا هذا المتاع أهلي فلما مات بديل قبضا المال فأخذا منه ما أعجبهما فكان فيما أخذا إناء من فضة فيه ثلثمائة مثقال ، منقوشاً مموها بالذهب وذكر الحديث وذكره سنيد، وقال : فلما قدموا الشام مرض بديل وكان مسلماً الحديث الثانية - قوله تعالى :" شهادة بينكم" ورد شهد في كتاب الله تعالى بأنواع مختلفة : منها قوله تعالى : " واستشهدوا شهيدين من رجالكم" [ البقرة: 282] قيل: معناه أحضروا ومنها شهد بمعنى قضى أي أعلم قاله أبو عبيدة ، كقوله تعالى :" شهد الله أنه لا إله إلا هو " [ آل عمران : 18] ومنها شهد بمعنى أقر كقوله تعالى:" والملائكة يشهدون " [ النساء : 166] ومنها شهد بمعنى حكم قال الله تعالى :" وشهد شاهد من أهلها " [يوسف : 26] شهد بمعنى حلف كما في اللعان وشهد بمعنى وصى كقوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم " وقيل: معناها هنا الحضور للوصية يقال: شهدت وصية فلان أي حضرتها وذهب الطبري إلى أن الشهادة بمعنى اليمين، فيكون المعنى يمين ما بينكم أن يحلف اثنان واستدل على أن ذلك غير الشهادة التي تؤدي للمشهود له بأنه لا يعلم لله حكم يجب فيه على الشاهد يمين واختار هذا القول القفال، وسميت اليمين شهادة لأنه يثبت بها الحكم كما يثبت بالشهادة واختار ابن عطية أن الشهادة هنا هي الشهادة التي تحفظ فتؤدى وضعف كونها بمعنى الحضور واليمين . الثالثة - قوله تعالى :" بينكم " قيل: معناه ما بينكم فحذفت ما وأضيفت الشهادة إلى الظرف واستعمل اسماً على الحقيقة، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة كما قال : ويوماً شهدناه سليما وعامرا أراد شهدنا فيه قال تعالى :" بل مكر الليل والنهار " [ سبأ : 33] أي مكركم فيهما وأنشد : تصافح من لاقيت لي ذا عداوة صفاحا وعين بين عينيك منزوي أراد ما بين عينيك فحذف ومنه قوله تعالى :" هذا فراق بيني وبينك " [ الكهف : 78] أي ما بيني وبينك . الرابعة -قوله تعالى : " إذا حضر " معناه إذا قارب الحضور، وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت وهذا كقوله تعالى : " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " [ النحل : 98] وكقوله : " إذا طلقتم النساء فطلقوهن " [ الطلاق : 1] ومثله كثير والعامل في إذا المصدر الذي هو شهادة. الخامسة - قوله تعالى:" حين الوصية اثنان " حين ظرف زمان والعامل فيه حضر وقوله اثنان يقتضي بمطلقة شخصين، ويحتمل رجلين إلا أنه لما قال بعد ذلك : " ذوا عدل " بين أنه أراد رجلين لأنه لفظ لا يصلح إلا للمذكر، كما أن " ذواتا " [ الرحمن : 46] لا يصلح إلا للمؤنث وارتفع اثنان على أنه خبر المبتدأ الذي هو شهادة قال أبو علي : شهادة رفع بالابتداء والخبر في قوله : اثنان التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه كما قال تعالى : " وأزواجه أمهاتهم " [ الأحزاب: 6] أي مثل أمهاتهم وبجوز أن يرتفع اثنان ب شهادة التقدير وفيما أنزل عليكم أو ليكن منكم أن يشهد اثنان ، أو لقيم الشهادة اثنان السادسة - قوله تعالى : " ذوا عدل منكم " ذو عدل صفة لقوله اثنان و منكم صفة بعد صفة وقوله : " أو آخران من غيركم " أي أو شهادة آخرين من غيركم فمن غيركم صفة لآخرين هذا الفصل هو المشكل في هذه الآية والتحقيق فيه أن يقال: اختلف العلماء فيه على ثلاثة أقوال. الأولى - أن الكاف والميم ف قوله : منكم ضمير للمسلمين " أو آخران من غيركم " للكافرين، فعلى هذا تكون شهادة أهل الكتاب على المسلمين جائزة في السفر إذا كانت وصية وهو الأشبه بسياق الآية، مع ما تقرر من الأحاديث وهو قول ثلاثة من الصحابة الذين شاهدوا التنزيل، أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس فمعنى الآية من أولها إلى أخرها على هذا القول، أن الله تعالى أخبر أن حكمة في الشهادة على الموصي إذا حضر الموت أن تكون شهادة عدلين، فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه أحد من المؤمنين فليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا وما بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة وحكم بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم حلف رجلا من أولياء الموصي في السفر، وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني، وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي وابن عباس وغيرهما وقال به من الفقهاء سفيان الثوري ومال إليه أبو عبيد القاسم بن سلام لكثرة من قال به واختاره أحمد بن حنبل وقال : شهادة أهل الذمة جائز على المسلمين في السفر عند عدم المسلمين كلهم يقولون منكم من المؤمنين ومعنى " من غيركم " يعني الكفار قال بعضهم : وذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة، وكانوا يسافرون بالتجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة والآية محكمة على مذهب أبي موسى وشريح وغيرهما . القول الثاني - أن قوله سبحانه " أو آخران من غيركم " منسوخ ، هذا قول زيد بن أسلم والنخعي ومالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلا أن أبا حنيفة خالفهم فقال : تجوز شهادة الكفار بعضهم على بعض ولا تجوز على المسلمين واحتجوا بقوله تعالى :" ممن ترضون من الشهداء " [البقرة:282] وقوله : " وأشهدوا ذوي عدل منكم " [ الطلاق : 2] فهؤلاء زعموا أن الآية الدين من آخر ما نزل وأن فيها " ممن ترضون من الشهداء " فهو ناسخ لذلك ولم يكن الإسلام يومئذ إلا بالمدينة فجازت شهادة أهل الكتاب وهو اليوم طبق الأرض فسقطت شهادة الكفار وقد أجمع المسلمون على أن شهادة الفساق لا تجوز والكفار فساق فلا تجوز شهادتهم قلت: ما ذكرتموه صحيح إلا أنا نقول بموجبة وأن ذلك جائز في شهادة أهل الذمة على المسلمين في الوصية في السفر خاصة للضرورة بحيث لا يوجد مسلم وأما مع وجود مسلم فلا ولم يأت ما ادعيتموه من النسخ عن أحد ممن شهد التنزيل وقد قال بالأول ثلاثة من الصحابة وليس ذلك في غيره ومخالفة الصحابة إلى غيرهم ينفر عنه أهل العمل ويقوي هذا أن سورة المائدة من آخر القرآن نزولاً حتى قال ابن عباس والحسن وغيرهما: إنه لا منسوخ فيها وما ادعوه من النسخ لا يصح، فإن النسخ لا بد فيه من إثبات الناسخ على وجه يتنافى الجمع بينهما مع تراخي الناسخ فما ذكروه لا يصح أن يكون ناسخاً فإنه في قصة غير قصة الوصية لمكان الحاجة والضرورة ولا يمنع اختلاف الحكم عند الضرورات ولأنه ربما كان الكافر ثقة عند المسلم ويرتضيه عند الضرورة فليس فيما قالوه ناسخ. القول الثالث- أن الآية لا نسخ فيها، قاله الزهري والحسن وعكرمة ويكون معنى قوله : منكم أي من عشيرتكم وقرابتكم لأنهم أحفظ وأضبط وأبعد عن النسيان ومعنى قوله :" أو آخران من غيركم " أي من غير القرابة والعشيرة قال النحاس: وهذا ينبني على معنى غامض في العربية وذلك أن معنى آخر في العربية من جنس الأول تقول: مررت بكريم وكريم آخر فقوله آخر يدل على أنه من جنس الأول ولا يجوز عند أهل العربية مررت بكريم وخسيس آخر ولا مررت برجل وحمار آخر فوجب من هذا أن يكون معنى قوله:" أو آخران من غيركم " أي عدلان والكفار لا يكونون عدولاً فيصح على قول من قال من غيركم من غير عشيرتكم من المسلمين هذا معنى حسن من جهة اللسان، وقد يحتج به لمالك ومن قال بقوله ، لأن المعنى عندهم " من غيركم " من غير قبيلتكم على أنه قد عورض هذا القول بأن في ألو الآية " يا أيها الذين آمنوا " فخوطب الجماعة من المؤمنين . السابعة -استدل أبو حنيفة بهذه الآية على جواز شهادة الكفار من أهل الذمة فيما بينهم قال : ومعنى " أو آخران من غيركم " أي من غير أهل دينكم فدل على جواز شهادة بعضهم على بعض فيقال له : أنت لا تقول بمقتضى هذه الآية لأنها نزلت في قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين وأنت لا تقول بها، فلا يصح احتجاجك بها فإن قيل: هذه الآية دلت على جواز قبول شهادة أهل الذمة على المسلمين من طريق النطق ودلت على قبول شهادتهم على أهل الذمة من طريق التنبيه، وذلك أنه إذا قبلت شهادتهم على المسلمين فلأن تقبل على أهل الذمة أولى ثم دل الدليل على بطلان شهادتهم على المسلمين فبقي شهادتهم على أهل الذمة على ما كان عليه وهذا ليس بشيء، لأن قبول شهادة أهل الذمة على أهل الذمة فرع لقبول شهادتهم على المسلمين فإذا بطلت شهادتهم على المسلمين وهي الأصل فلأن تبطل شهادتهم على أهل الذمة وفي فرعها أحرى وأولى، والله أعلم . الثامنة- قوله تعالى :" إن أنتم ضربتم في الأرض" أي سافرتم وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض " فأصابتكم مصيبة الموت " فأوصيتم إلى انثين عدلين ظنكم ودفعتم إليهما ما معكم من المال ثم متم وذهبا إلى ورثتم بالتركة فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة، فالحكم أن تحبسوهما من بعد الصلاة أي تستوثقوا منها وسمى الله تعالى الموت في هذه الآية مصيبة، قال علماؤنا: والموت وإن كان مصيبة عظمى ورزية كبرى فأعظم منه الغفلة عنه والإعراض عن ذكره وترك التفكر فيه وترك العمل له، وإن فيه وحده لعبرة لمن اعتبر وفكره لمن تفكر و"روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: لو أن البهائم تعلم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سميناً " ويرى أن أعرابياً كان يسير على جمل له فخر الجمل ميتاً فنزل الأعرابي عنه، وجعل يطوف به ويتفكر فيه ويقول ما لك لا تقوم مالك لا تنبعث هذه أعضاؤك كاملة، وجوارحك سالمة ما شأنك ما الذي كان يحملك ما الذي كان يبعثك ما الذي صرعك ما الذي عن الحركة منعكم ثم تركه وانصرف متفكراً في شأنه متعجباً من أمره. التاسعة - قوله تعالى :" تحبسونهما " قال أبو علي " تحبسونهما " صفة ل آخران واعترض بين الصفة والموصوف بقوله : إن أنتم وهذا الآية أصل في حبس من وجب عليه والحقوق على قسمين: منها ما يصلح استيفاؤه معجلاً ومنها ما لا يمكن استيفاؤه إلا مؤجلا فإن خلي من عليه الحق غاب واختفى وبطل الحق وتوي فلم يكن بد من التوثق منه فإما بعوض عن الحق وهو المسمى رهناً، وإما بشخص ينوب منابه في المطالبة والذمة وهو الحميل وهو دون الأول، لأنه يجوز أن يغيب كمغيبة ويتعذر وجوده كتعذره ولكن لا يمكن أكثر من هذا فإن تعذرا جميعاً لم يبق إلا التوثق بحسبه حتى تقع منه التوفية لما كان عليه من حق أو تبني عسرته . العاشرة - فإن كان الحق بدنياً لا يقبل البدل كالحدود والقصاص، ولم يتف استيفاؤه معجلاً لم يكن فيه إلا التوثق بسجنه، ولأجل هذه الحكمة شرع السجن روى أبو داود والترمذي وغرهما عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده : أن النبي صلى الله عليه وسلم حبس رجلاً في تهمة وروى أبو داود عن عمرو بن الشريد عن أبيه "عن رسول الله صلى لله عليه وسلم قال: لي الواجد يحل عرضه وعقوبته " قال ابن المبارك يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس له قال الخطابي: الحبس على ضربين حبس عقوبة وحبس استظهار له فالعقوبة لا تكون إلا في واجب، وأما ما كان في تهمة فإنما يستظهر بذلك ليستكشف به ما وراء وقد روي أنه حبس رجلاً من تهمة ساعة من نهار ثم خلى عنه وروى معمر عن أيوب عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم فإن أعطاه حقه وإلا أمر به إلى السجن . الحادية عشرة -قوله تعالى:" من بعد الصلاة " يريد صلاة العصر قاله الأكثر من العلماء لأن أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويتجنبون فيه الكذب واليمين الكاذبة وقال الحسن: صلاة الظهر ، وقيل: أي صلاة كانت وقيل: من بعد صلاتهما على أنهما كافران قاله السدي: وقيل إن فائدة اشتراطه بعد الصلاة تعظيماً للوقت، وإرهاباً به لشهود الملائكة ذلك الوقت وفي الصحيح : "من حلف على اليمين كاذبة بعد العصر لقي الله وهو عليه الضمان" الثامنة عشرة - هذه الآية أصل في التغليظ في الإيمان والغليظ يكون بأربعة أشياء: أحدها - الزمان كما ذكرنا الثاني المكان كالمسجد والمنبر، خلافاً لأبي حنيفة وأصحابه حيث يقولون: لا يجب استحلاف أحد عند منبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا بين الركن والمقام لا في قليل الأشياء ولا في كثيرها وإلى هذا القول ذهب البخاري -رحمه الله - حيث ترجم باب يحلف المدعى عليه حيثما وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره وقال مالك والشافعي: ويجلب في أيمان القسامة إلى مكة من كان من أعمالها فيحلف بين الركن والمقام ويجلب إلى المدينة من كان من أعمالها فيحلف عند المنبر الثالث - الحال روى مطرف وابن الماجشون وبعض أصحاب الشافعي أنه يحلف قائماً مستقبل القبة لأن ذلك أبلغ في الردع والزجر وقال ابن كنانة: يحلف جالساً قال ابن العربي: والذي عندي أنه يحلف كما يحكم عليه بها إن كان قائماً فقائماً وإن جالساً فجالساً إذ لم يثبت في أثر ولا نظر اعتبار ذلك من قيام أو جلوس . قلت: قد استنبط بعض العلماء من قوله في حديث علقمة بن وائل عن ابيه فانطلق ليحلف القيام - والله أعلم - أخرجه مسلم الرابع - التغليظ باللفظ، فذهبت طائفة إلى الحلف بالله لا يزيد عليه لقوله تعالى :" فيقسمان بالله " وقوله " قل إي وربي " [يونس: 53]وقال : " وتالله لأكيدن أصنامكم" [ الأنبياء: 57] و"قوله عليه السلام : من كان حالفاً فلحيف باله أو ليصمت " وقول الرجل: والله لا أزيد عليهن وقال مالك: يحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندي حق، وما ادعاه علي باطل ، والحجة له ما رواه أبو داود حدثنا مسدد قال حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا عطاء بن السائب عن أبي يحيى عن ابن عباس "أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يعين لرجل حلفه: احلف بالله الذي لا إله إلا هو ما له عندك شيء " يعني للمدعي قال أبو داود : أبو يحيى اسمه زياد كوفي ثقة ثبت وقال الكوفيون : يحلف بالله لا غير، فإن اتهمه القاضي غلظ عليه اليمين فيحلفه بالله الذي لا إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم الذي يعلم من السر ما يعلم من العلانية، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وزاد أصحاب الشافعي التغليظ بالمصحف قال ابن العربي: وهو بدعة ما ذكرها أحد قط من الصحابة وزعم الشافعي إنه رأى ابن مازن قاضي صنعاء يحلف بالمصحف ويأمر أصحابه بذلك يرويه عن ابن عباس ولم يصح . قلت: وفي كتاب المهذب وإن حلف بالمصحف وما فيه من القرآن فقد حكى الشافعي عن مطرف ابن الزبير كان يحلف على المصحف قال: ورأيت مطرفاً بصنعاء يحلف على المصحف قال الشافعي: وهو حسن قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه لا ينبغي للحاكم أن يستحلف بالطلاق والعتاق والمصحف . قلت: قد تقدم في الإيمان: وكان قتادة يحلف بالمصحف وقال أحمد وإسحاق: لا يكره ذلك حكاه عنهما ابن المنذر. الثالثة عشرة- اختلف مالك والشافعي من هذا الباب في قدر المال الذي يحلف به في مقطع الحق فقال مالك : لا تكون اليمين في مقطع الحق في أقل من ثلاثة دراهم قياساً على القطع كل ما تقطع فيه اليد وتسقط به حرمة العضو فهو عظيم وقال الشافعي: لا تكون اليمين في ذلك في أقل من عشرين ديناراً قياساً على الزكاة وكذلك عند منبر كل مسجد . الرابعة عشرة- قوله تعالى :" فيقسمان بالله" الفاء في " فيقسمان" عاطفة جملة على جملة أو جواب جزاء لأن "تحبسونهما " معناه احبسوهما أي لليمين فهو جواب الأمر الذي دل عليه الكلام كأنه قال : إذا حبستموهما أقسما قال، قال ذو الرمة : وإنسان عيني يحسر الماء مرة فيبدو وتارات يجم فيغرق الخامسة عشرة - واختلف من المراد بقوله: " فيقسمان " فقيل : الوصيان إذا ارتيب في قولهما : وقيل: الشاهدان إذا لم يكونا عدلين وارتاب بقولهما الحاكم حلفهما قال ابن العربي مبطلاً لهذا القول: والذي سمعت - وهو بدعة - وعن ابن أبي ليلى أنه يحلف الطالب مع شاهديه أن الذي شهدا به حق ، وحينئذ يقضى له بالحق، وتأويل هذا عندي إذا ارتاب الحكم بالقبض فيحلف إنه لباق، وأما غير ذلك فلا يلتفت إليه هذا في المدعى فكيف يحبس الشاهد أن يحلف هذا ما لا يلتفت إليه . قلت: وقد تقدم من قول الطبري في أنه لا يعلم الله حكم يجب فيه على الشاهد يمين، وقد قيل: إنما استحلف الشاهدان لأنهما صارا مدعى عليهما حيث ادعى الورثة أنهما خانا في المال. السادسة عشرة - قوله تعالى :" إن ارتبتم " شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين، قال ابن عطية: أما أنه يظهر من حكم أبي موسى في تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفيذ الوصية لأهلها، وروى أبو داود عن الشعبي. أن رجلاً من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقاء هذه ولم يجد أحداً من المسلمين حضره يشهده على وصيته، فأشهد رجلين، من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا الأشعري فأخبراه وقدما بتركته ووصيته فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأحلفهما بعد العصر:" بالله ما خانا ولا كذاب ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا وإنها لوصية الرجل وتركته " فأمضى شهادتهما قال ابن عطية: وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة تترتب في الخيانة، وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهم دون بعض وتقع مع ذلك اليمن عنده وأما من ترى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا أن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي، فيكون التحليف عند بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة قال ابن العربي: يمين الريبة والتهمة على قسمين: أحدهما ما تقع الربة فيه بعد ثبوت الحق وتوجه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين الثاني- التهمة المطلقة في الحقوق والحدود وله تفصيل بيانه في كتب الفروع وقد تحققت ههنا الدعوى وقوتي حسبما ذكرى في الروايات . السابعة عشرة الشرط في قوله : " إن ارتبتم " يتعلق بوقه : " تحبسونهما " لا بقوله "فيقسمان" لأن هذا الحبس سبب القسم . الثامنة عشرة- قوله تعالى : " لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى " أي يقولان في يمينهما لا نشتري بقسمنا عوضاً نأخذه بدلاً مما أوصى به لا ندفعه إلى أحد ولو كان الذي نقسم له ذا قربى منا وإضمار القول كثير كقوله :" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم " [ الرعد : 23-24] أي يقولون سلام عليكم والاشتراء ههنا لي بمعنى البيع بل هو التحصيل . التاسعة عشرة- اللام في قوله : " لا نشتري " جواب لقوله " فيقسمان " لأن أقسم يلتقي بما القسم وهو لا و ما في النفي وإن واللام في الإيجاب والهاء في به عائد على اسم الله تعالى ، وهو أقرب مذكور المعنى: لا نبيع حظنا من الله تعالى بهذا العرض ويحتمل أن يعود على الشهادة وذكرت على معنى القول كما "قال صلى الله عليه وسلم : واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينهما وبين الله حجاب" فأعاد الضمير على معنى الدعوة الذي هو الدعاء، وقد تقدم في سورة النساء . الموفية عشرين- قوله تعالى:" ثمنا "قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن أي سلعة ذا ثمن ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وعندنا وعند كثير من العلماء أن الثمن قد يكون هو ويكون السلعة فإن الثمن عندنا مشترى كما أن المثمون مشترى فكل واحد من المبيعين ثمناً ومثموناً كان البيع دائراً على عرض ونقد أو على عرضين أو على نقدين ، وعلى هذا الأصل تنبني مسألة: إذا أفلس المبتاع ووجد البائع متاعه هل يكون أولى به ؟ قال أبو حنيفة: لا يكون لأولى به وبناه على هذا الأصل، وقال: يكون صاحبها أسوة الغرماء، وقال مالك: هو أحق بها في الفلس دون الموت، وقال الشافعي: صاحبها أحق بها في الفلس والموت تمسك أبو حنيفة بما ذكرنا، وبأن الأصل الكلي أن الدين في ذمة المفلس والميت، وما بأيديهما محل للوفاء فيشترك جميع الغرماء فيه بقدر رؤوس أموالهم، ولا فرق في ذلك بين أن تكون أعيان السلع موجودة أو -لا إذ قد خرجت عن ملك بائعها ووجت أثمانها لهم في الذمة بالإجماع فلا يكون لهم إلا أثمانها أو ما وجد منها، وخصص مالك والشافعي هذه القاعدة بأخبار رويت في هذا الباب رواها الأئمة أبو داود وغيره . الحادية والعشرون - قوله تعالى :" ولا نكتم شهادة الله " أي ما أعلمنا الله من الشهادة وفيها سبع قراءات من أرادها وجدها في التحصيل وغيره

تفسير الجلالين


106 - (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت) أسبابه (حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم) خبر بمعنى الأمر أي ليشهد ، وإضافة شهادة لـ "بين" على الاتساع ، وحين بدل من إذا أو ظرف لحضر (أو آخران من غيركم) أي غير ملتكم (إن أنتم ضربتم) سافرتم (في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما) توقفونهما صفة آخران (من بعد الصلاة) أي صلاة العصر (فيقسمان) يحلفان (بالله إن ارتبتم) شككتم فيها ويقولان (لا نشتري به) بالله (ثمنا) عوضا نأخذه بدله من الدنيا بأن نحلف به أو نشهد كذبا لأجله (ولو كان) المقسم له والمشهود له (ذا قربى) قرابة منا (ولا نكتم شهادة الله) التي أمرنا بها (إنا إذا) إن كتمناها (لمن الآثمين)

أسباب النزول


قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم الآية روى الترمذي وضعفه وغيره عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت قال بريء الناس منها غيري وغير عدي بن بداء وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل بن أبي مريم بتجارة ومعه جام من فضة فمرض فأوصى إليهما وامرهما أن يبلغا ما ترك أهله قال تميم فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بداء فلما قدمنا إلى أهله دفعنا اليهم ما كان معنا وفقدوا الجام فسألونا عنه فقلنا ما ترك غير هذا وما دفع الينا غيره فلما أسلمت تأثمت من ذلك فأتيت أهله فخبرتهم الخبر ودفعت إليهم خمسمائة درهم وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا فأمرهم أن يستحلفوه فحلف فأنزل الله يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى قوله أن ترد أيمان بعد أيمانهم فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا فنزعت الخمسمائة درهم من عدي بن بداء تنبيه جزم الذهبي بأن تميما النازل فيه غير تميم الداري وعزاه لمقاتل ابن حبان قال الحافظ ابن حجر وليس بجيد للتصريح في هذا الحديث بأنه الداري

تفسير ابن كثير


اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز قيل إنه منسوخ رواه العوفي من ابن عباس وقاله حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم أنها منسوخة وقال آخرون وهم الأكثرون فيما قاله ابن جرير بل هو محكم ومن ادعى نسخه فعليه البيان فقوله تعالى" يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان" هذا هو الخبر لقوله" شهادة بينكم" فقيل تقديره شهادة اثنين حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان وقوله تعالى" ذوا عدل" وصف الاثنين بأن يكونا عدلين وقوله" منكم" أي من المسلمين قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنه في قوله ذوا عدل منكم قال من المسلمين رواه ابن أبي حاتم. ثم قال: وروي عن عبيدة وسعيد بن المسيب والحسن ومجاهد ويحيي بن يعمر والسدي وقتادة ومقاتل بن حيان وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نحو ذلك قال ابن جرير وقال آخرون غير ذلك" ذوا عدل منكم" أي من أهل الموصي وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدة غيرهما وقوله أو "آخران من غيركم" قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا سعيد بن عوف حدثنا عبدالواحد بن زياد حدثنا حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله أو" آخران من غيركم" قال من غير المسلمين يعني أهل الكتاب ثم قال: وروي عن عبيدة وشريح وسعيد بن المسيب ومحمد بن سيرين ويحيى بن يعمر وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة وأبي مجلز والسدي ومقاتل بن حيان وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم نحو ذلك وعلى ما حكاه ابن جرير عن كرمة وعبيدة في قوله" منكم" أن المراد من قبيلة الموصي يكون المراد ههنا" أو آخران" من غيركم أي من غير قبيلة الموصي وروى ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري والزهري رحمهما الله وقوله تعالى" إن أنتم ضربتم في الأرض" أي سافرتم " فأصابتكم مصيبة الموت" وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين أن يكون ذلك في سفر وأن يكون في وصية كما صرح بذلك شريح القاضي; وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن على حدثنا أبو معاوية ووكيع قالا: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن شريح قال: لا يجوز شهادة اليهود والنصاري إلا في سفر ولا تجوز في سفر إلا في الوصية ثم رواه عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن أبي إسحاق السبيعي قال: قال شريح فذكر مثله وروي نحوه عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى وهذه المسألة من إفراده وخالفه الثلاثة فقالوا لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضا وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو داود حدثنا صالح بن أبي الأخضر عن الزهري قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة الكافر في حضر ولا سفر إنما هي في المسلمين. وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام وذلك في أول الإسلام والأرض حرب والناس كفار وكان الناس يتوارثون بالوصية ثم نسخت الوصية وفرضت الفرائض وعمل الناس بها. رواه ابن جرير وفي هذا نظر والله أعلم. وقال ابن جرير: اختلف في قوله شهادة بينكم" إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم" هل المراد به أن يوصي إليهما أو يشهدهما على قولين. "أحدهما" أن يوصي إليهما كما قال محمد بن إسحاق عن يزيد بن عبدالله بن قسيط قال: سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذه الآية قال هذا رجل سافر ومعه مال فأدركه قدره فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته وأشهد عليهما عدلين من المسلمين رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع. "والقول الثاني" أنهما يكونان شاهدين وهو ظاهر سياق الآية الكريمة فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان الوصاية والشهادة كما في قصه تميم الداري وعدي بن بداء كما سيأتي ذكرهما آنفا إن شاء الله وبه التوفيق وقد استشكل ابن جرير كونهما شاهدين قال لأنا لا نعلم حكما يحلف فيه الشاهد وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة وهو حكم مستقل بنفسه لا يلزم أن يكون جاريا على قياس جميع الأحكام علي أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر فى غيره فإذا قامت قرينة الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضي ما دلت عليه هذه الآية الكريمة وقوله تعالى" تحبسونهما من بعد الصلاة" قال العوفي عن ابن عباس: يعني صلاة العصر وكذا قال سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وقتادة وعكرمة ومحمد بن سيرين. وقال الزهري يعني صلاة المسلمين وقال السدي عن ابن عباس يعني صلاة أهل دينهما وروي عن عبدالرزاق عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة وكذا قال إبراهيم وقتادة وغير واحد والمقصود أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم" فيقسمان بالله" أي فيحلفان بالله" إن ارتبتم" أي إن ظهرت لكم منهما ريبة أنهما خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله" لا نشتري به" أي بأيماننا قاله مقاتل بن حيان ثمنا أي لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة ولو كان ذا قربى أي ولو كان المشهود عليه قريبا لنا لا نحابيه" ولا نكتم شهادة الله" أضافها إلى الله تشريفا لها وتعظيما لأمرها وقرأ بعضهم" ولا نكتم شهادة الله" مجرورا على القسم رواها ابن جرير عن عامر الشعبي وحكى عن بعضهم أنه قرأها ولا نكتم شهادة الله والقراءة الأولى هي المشهورة" إنا إذا لمن الآثمين" أي إن فعلنا شيئا من ذلك من تحريف الشهادة أو تبديلها أو تغييرها أو كتمها بالكلية.